مَعْنَى لاَ إِلٰهَ إِلاَّ اللّٰه مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللّٰه
وَيَجْمَعُ مَعَانِي هذِهِ العَقَائِدِ كُلهَا قَوْلُ: لاَ إِلٰهَ إِلاَّ اللّٰه مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللّٰهِ، إِذْ مَعْنَى اْلأُلُوهِيَّةِ: اسْتِغْنَاءُ اْلإِلٰهِ عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ، وَافْتِقَارُ كُلِّ مَا عَدَاهُ إِلَيْهِ.
فَمَعْنى لاَ إِلٰهَ إِلاَّ اللّٰه : لاَ مُسْتَغْنِيَ عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ، وَمُفْتَقِرًا إِلَيْهِ كُلُّ مَا عَدَاهُ إِلاَّ اللّٰه تَعَالىٰ .
أَمَّا اسْتِغْنَاؤُهُ جَلَّ وَعَزَّ عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ، فَهُوَ يُوجِبُ لَهُ تَعَالىٰ: الْوُجُودَ، وَالْقِدَمَ، وَالْبَقَاءَ، وَالمُخَالَفَةَ لِلْحَوَادِثِ، وَالْقِيَامَ بِالنَّفْسِ، وَالتَّنَزُّهَ عَن النَّقَائِصِ.
وَيَدْخُلُ فِي ذلِكَ: وُجُوبُ السَّمْعِ لَهُ تَعَالىٰ وَالْبَصَرِ وَالْكَلاَمِ، إِذْ لَوْ لَمْ تَجِبْ لَهُ هٰذِهِ الصِّفَاتُ لكَانَ مُحْتَاجًا إِلَى المُحْدِثِ، أَوِ المَحَلِّ، أَوْ مَنْ يَدْفَعُ عَنْهُ النَّقَائِصَ.
وَيُؤُخذُ مِنْهُ: تَنَزُّهُهُ تَعَالىٰ عَنِ اْلأَغْرَاضِ فِي الأَفْعَالِ وَالأَحْكامِ، وَإِلاَّ لَزِمَ افْتِقَارُهُ إِلَى مَا يُحَصِّلُ غَرَضَهُ، كَيْفَ! وَهُوَ جَلَّ وَعَزَّ الْغَنِيُّ عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ؟
وَكذا يُؤْخَذُ مِنْهُ أَيْضًا: أَنَّهُ لاَ يَجِبُ عَلَيْهِ تَعَالىٰ فعْلُ شَيْءٍ مِنَ المُمْكنَاتِ وَلاَ تَرْكُهُ، إِذا لَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ تَعَالىٰ شَيْءٌ مِنْهَا عَقْلاً، أو اسْتَحاَلَ عقْلاً، كالثَّوَابِ مَثَلاً، لَكانَ جَلَّ وَعَزَّ مُفْتَقِرًا إِلَى ذلِكَ الشَّيْءِ لِيَتَكَمَّلَ بِهِ، إِذْ لاَ يَجِبُ فِي حَقِّهِ تَعَالىٰ إلاَّ مَا هُوَ كَمَالٌ لَهُ، كَيْفَ! وَهُوَ جَلَّ وَعَزَّ الْغَنِيُّ عنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ؟.
وَأَمَّا افْتِقَارُ كُلِّ مَا سِواَه إِلَيْهِ جَلَّ وَعَزَّ فَهُوَ يُوجِبُ لَهُ تَعَالىٰ الحَيَاةَ، وَعُمُومَ الْقُدْرَةِ وَاْلإِرَادَةِ وَالْعِلْمِ، إِذْ لَو انْتَفى شَيْءٌ مِنْهَا لَمَا أَمْكَنَ أَنْ يُوجَدَ شَيْءٌ مِنَ الحَوَادِثِ فَلاَ يَفْتَقِرُ إِلَيْهِ شَيْءٌ، كَيْفَ! وَهُوَ الَّذِي يَفتْقِرُ إِلَيْهِ كُلُّ مَا سِوَاهُ؟.
وَيُوجِبُ لَهُ تَعَالىٰ أَيْضًا الْوَحْدَانِيةَ، إِذْ لَوْ كانَ مَعَهُ ثَانٍ فِي اْلأُلُوهِيَّةِ لما افْتقَرَ إِلَيْهِ شَيْءٌ لِلُزُومِ عَجْزِهِمَا حِينَئِذٍ،كَيْفَ! وَهُوَ الَّذِي يَفْتَقِرُ إِلَيْهِ كَلُّ مَا سِوَاهُ؟.
وَيُؤْخَذُ منْهُ أَيْضًا: حُدُوثُ الْعَالَمِ بِأَسْرهِ، إِذْ لوْ كانَ شَيْءٌ مِنْهُ قَديمًا لَكَانَ ذلِكَ الشَّيْءُ مُسْتَغْنِيًا عَنْهُ تَعَالىٰ ،كَيْفَ! وَهُوَ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يَفتْقِرَ إِلَيْهِ كُلُّ مَا سِوَاهُ؟.
وَيُؤُخَذُ مِنْهُ أَيْضًا: أَنَّهُ لاَ تَأْثِيرَ لِشَيْءٍ مِنَ الْكَائِنَاتِ فِي أَثَرٍ مَّا، وَإلّا لَزِمَ أَنْ يَسْتَغْنِيَ ذلِكَ اْلأَثَرُ عَنْ مَوْلآناَ جَلَّ وَعَزَّ، كَيْفَ! وَهُوَ الَّذِي يَفْتَقِرُ إِلَيْهِ كُلُّ مَا سِوَاهُ عُمُومًا، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ، هذَا إِنْ قَدَّرْتَ أَنَّ شَيْئًا مِنَ الْكائِنَاتِ يُؤَثّرُ بِطَبْعِهِ.
وَأَمَّا إِنْ قَدَّرْتَهُ مُؤَثِّرًا بِقُوَّةٍ جَعَلَهَا اللّٰه فِيهِ كَمَا يَزْعُمُهُ كَثِيرٌ مِنَ الْجَهَلَةِ، فَذٰلِكَ مُحَالٌ أَيْضًا، لأَنَّهُ يَصِيرُ حِيْنَئِذٍ مَوْلآناَ جَلَّ وَعَزَّ مُفْتَقِرًا فِي إِيجَادِ بَعْضِ اْلأَفْعَالِ إِلَى وَاسِطَةٍ، وَذلِكَ بَاطِلٌ لِمَا عَرَفْتَ قَبْلُ مِنْ وُجُوبِ اسْتِغْنَائِهِ جَلَّ وَعَزَّ عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ.
فَقَدْ بَانَ لَكَ تَضَمُّنُ قَوْلِ: لاَ إِلٰهَ إِلاَّ اللّٰه لِلأَقْسَامِ الثَّلاَثَةِ التَّيِ يَجِبُ عَلَى المُكَلَّفِ مَعْرِفَتُهَا فِي حَقِّ مَوْلآناَ جَلَّ وَعَزَّ، وَهِيَ: مَا يَجِبُ فِي حَقِّهِ تَعَالىٰ ، وَمَا يَسْتَحِيلُ، وَمَا يَجُوزُ.
وَأَمَّا قَوْلُنَا : مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ صَلى الله عليه وسلم فَيَدْخُلُ فِيْهِ اْلإِيمَانُ بِسَائِرِ اْلأَنْبِيَاءِ وَالمَلاَئِكَةِ عَلَيْهِمُ الصّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَالْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ وَاْليَوْمِ الآخِرِ، لأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ جَاءَ بِتَصْدِيقِ جَمِيعِ ذلِكَ كُلِّهِ.
وَيُؤْخَذُ مِنْهُ: وُجُوبُ صِدْقِ الرّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ، وَاسْتِحَالَةُ الْكَذِبِ عَلَيْهِمْ، وَإِلاَّ لَمْ يَكُونُوا رُسُلاً أُمَنَاءَ لِمَوْلآناَ الْعَالِمِ بِاالخَفِيَّاتِ جَلَّ وَعَزَّ. وَاسْتِحَالَةُ فِعْلِ المَنْهِيَّاتِ كلِّهَا، لأَنَّهُمْ أُرْسِلُوا لِيُعَلِّمُوا النَّاسَ بِأَقْوَالِهِمْ، وَأفْعَالِهِمْ وَسُكُوتِهِمْ، فَيَلْزَمُ أَنْ لاَ يَكُونَ فِي جَمِيعِهَا مُخَالَفَةٌ لأَمْرِ مَوْلآناَ جَلَّ وَعَزَّ الَّذِي اخْتَارَهُمْ عَلَى جَمِيعِ الخَلْقِ وَأَمِنَهُمْ عَلَى سِرِّ وَحْيِهِ.
وَيُؤْخَذُ مِنْهُ: جَوَازُ اْلأَعْرَاضِ الْبَشَرِيَّةِ عَلَيْهِمُ الَّتِى لَاتُؤَدِّي إِلى نَقْصٍ فِى مَرَاتِبِهِمُ الْعَلِيَّةِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، إِذْ ذَاكَ لاَ يَقْدَحُ فِي رِسَالَتهمْ، وَعُلُوِّ مَنْزِلَتِهِمْ عِنْدَ اللهِ تَعَالىٰ بَلْ ذَاكَ مِمَّا يَزِيدُ فِيهَا.
فَقَدِاتَّضَحَ لَكَ تَضَمُّنُ كَلِمَتَيِ الشَّهَادَةِ مَعَ قِلَّةِ حُرُوفِهَا لِجَمِيعِ مَا يَجِبُ عَلَى المُكَلَّفِ مَعْرِفَتُهُ مِنْ عَقَائِدِ اْلإِيمَانِ فِي حَقِّهِ تَعَالىٰ وَفِي حَقِّ رُسُلِهِ عَلَيْهِمُ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ.
وَلَعَلَّهَا لاِخْتِصَارِهَا مَعَ اشْتِمَالِهَا عَلَى مَا ذكَرْنَاهُ جَعَلَهَا الشَّـرْعُ تَرْجمَةً عَلَى مَا فِي الْقلْبِ مِنَ اْلإِسْلامِ، وَلَمْ يَقْبَلْ مِنْ أَحَدٍ اْلإِيمَان إِلاَّ بِهَا.
فَعَلى الْعَاقِلِ أَنْ يُكْثِرَ مِنْ ذِكْرِهَا .مُسْتَحْضِرًا لِمَا احْتَوَتْ عَلَيْهِ مِنْ عَقَائِدِ اْلإِيمَانِ، حَتَّى تَمْتَزِجَ مَعَ مَعْنَاهَا بِلَحْمِهِ وَدَمِهِ. فَإِنَّهُ يَرى لَهَا مِنَ اْلأَسْرَارِ وَالْعَجَائِبِ إنْ شَاءَ اللّٰه تَعَالىٰ مَالاَ يَدْخُلُ تَحْتَ حَصْرٍ،
وَباللّٰه تَعَالَى التَّوْفِيقُ لاَ رَبَّ غَيْرُهُ، وَلاَ مَعْبُودَ سِوَاهُ .
نَسْأَلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالىٰ أَنْ يَجعَلَنَا وَأحِبَّتَنَا عِنْدَ المَوْتِ نَاطِقِينَ بِكَلِمَةِ الشَّهَادَة عَالِمِينَ بِهَا وَصَلَّى اللّٰه عَلَى سَيِّدنَا مُحَمَّدِ كُلَّمَا ذَكَرَهُ الذَّاكرُونَ وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِهِ الْغَافِلُونَوَرَضِىَ اللّٰه تَعَالى عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللّهِ أَجْمَعِينَ
وَعَنِ التَّابِعِين لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ
وَسَـــلاَمٌ عَــلَى جَمِيْعِ المُـــرْسَــلِـــينَ
وَالحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينِ
آمين