بسم الله الرحمن الرحيم
وإلهُكُمْ إِلٰهٌ واحد ٌ لآ إلهَ إلاَّ هُو الرَّحمن الرّحيم [سورة البقرة:163]
بسم الله الرحمن الرحيم
الَحْمُد للَّهِ وًالصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ عَلَى رَسُولِ اللهِ.
« أقسام حكم العقلي »
إعْلَمْ أنَّ الْحُكْمَ العَقْليَّ يَنْحَصِرُ فِي ثَلاَثَةِ أَقْسَامٍ: الْوُجُوبِ، وَالاِسْتِحَالَةِ، وَالجَوَازِ.
فَالْوَاجِبُ: مَالا يَتَصَوَّرُ فِي الْعَقْلِ عَدَمُهُ.
وَالمُسْتَحِيلُ: مَالاَ يَتَصَوَّرُ فِي الْعَقْلِ وُجُودُهُ.
وَالجَائِزُ: مَا يَصِحُّ فِي الْعَقْلِ وُجَودُهُ وَعَدَمُهُ.
وَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ شَرْعًا أَنْ يَعْرِفَ مَا يَجِبُ فِي حَقِّ مَوْلآناَ جَلَّ وَعَزَّ وَمَا يَسْتَحِيْلُ وَمَا يَجُوزُ.
وَكَذَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَعْرِفَ مِثْلَ ذلِكَ فِي حَقِّ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ.
« الصفات النفسية والسلبية »
فَمِمَّا يَجِبُ لِمَوْلآناَ جَلَّ وَعَزَّ عِشْرُونَ صِفَةً وَهِيَ: الْوَجُودُ، وَالْقِدَمُ، وَالبَقَاءُ، وَمُخَالَفَتُهُ تَعَالىٰ لِلْحَوَادِثِ، وَقِيَامُهُ تَعَالىٰ بِنَفْسِهِ: أَيْ لاَ يَفْتَقِرُ إِلَى مَحَلٍّ، وَلاَ مُخصِّصٍ، وَالْوَحْدَانِيَّةُ: أَيْ لاَ ثَانِيَ لَهُ فِي ذَاتِهِ، وَلاَ فِي صِفَاتِهِ، وَلاَ فِي أَفْعَالِهِ.
فَهذِهِ سِتُّ صِفَاتٍ: اْلأُولَى نَفْسِيَّةٌ، وَهِيَ: الْوَجُودُ.
وَالخَمْسَةُ بَعْدَهَا سَلْبيَّةٌ.
« الصفات المعاني والمتعلقات »
ثُمَّ يَجِبُ لَهُ تَعَالىٰ سَبْعُ صِفَاتٍ : تُسَمَّى صفَاتِ المَعَانِي، وَهِيَ: الْقُدْرَةُ، وَاْلإِرادَةُ المُتَعَلِّقَتَانِ بِجَمِيعِ المُمْكِنَات.
وَالْعِلْمُ المُتَعَلِّقُ بِجَمِيعِ الْوَاجِبَاتِ، وَالجَائِزَاتِ، وَالمُسْتَحِيلاَتِ.
وَالحَيَاةُ، وَهِيَ: لاَ تتَعَلَّقُ بِشَيءِ .
وَالسَّمْعُ وَالبصَرُ: المُتَعَلِّقَان بِجَمِيعِ المَوْجُودَات.
وَالْكَلامُ: الَّذِي لَيْسَ بِحَرْفٍ، وَلاَ صَوْتٍ، وَيَتَعَلَّقُ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْعِلْمُ مِنَ المُتَعَلَّقَاتِ.
« الصفات المعنوية »
ثُمَّ سَبْعُ صِفَاتٍ، تُسَمَّى صِفَاتٍ مَعْنَوِيَّةً، وَهِيَ : مُلاَزِمَةٌ لِلسَّبْعِ اْلأُولَى، وَهِيَ:كَوْنهُ تعالى : قادراً، وَمُريداً، وَعَالِمًا، وَحَيَّا، وَسَمِيعًا، وَبَصِيراً، وَمُتَكَلِّمًا.
« الصفات المستحيلة وهي أضداد صفات الواجبات »
وَمِمَّا يسْتَحِيلُ فِي حَقِّهِ تَعَالى عِشْرُونَ صِفَةً : وَهِيَ أَضْدَادُ الْعِشْرِينَ اْلأُوَلِ،
وَهِيَ: الْعَدَمُ، وَالحُدُوثُ، وَطُرُوُّ الْعَدَمِ، وَالمُمَاثَلَةُ لِلْحَوَادِثِ: بِأَنْ يَكُونَ جِرْمًا: أَيْ تَأخُذُ ذَاتُهُ الْعَلِيةُ قَدْراً مِنَ الْفَرَاغِ، أَوْ يَكُونَ عَرَضًا يَقُومُ بِالْجِرْم، أَوْ يَكُونَ فِي جِهَةٍ لِلْجِرْمِ، أَوْ لهُ هُوَ جِهَةٌ، أَوْ يَتَقَيَّد بِمَكَانٍ، أَوْ زَمَانٍ، أَوْ تَتَّصِفَ ذَاتُهُ الْعَلِيَّةُ بِالحَوَادِثِ، أَوْ يَتَّصِفَ بِالصِّغَرِ، أَوِ الْكِبَرِ ، أَوْ يَتَصِّفَ بَاْلأَغْرَاض فِي اْلأَفْعَالِ أَوِ اْلأَحْكامِ.
وَكَذَا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ تَعَالىٰ : أَنْ لاَ يَكُونَ قائِمًا بِنَفْسِهِ، بِأَنْ يَكُونَ صِفَةً يَقُومُ بِمَحلٍّ، أَوْ يَحْتَاجُ إِلَى مُخَصِّصٍ.
وَكَذَا يَسْتَحيلُ عَلَيْهِ تَعَالىٰ : أَنْ لاَ يَكُوُنَ وَاحِداً بِأَنْ يَكُونَ مُرَكَّبًا فِي ذَاتِهِ، أَوْ يَكُونَ لَهُ مُمَاثِلٌ فِي ذَاتِهِ، أَوْ فِي صِفَاتِهِ، أَوْ يَكُونَ مَعَهُ فِي الْوُجُودِ مُؤَثِّرٌ فِي فِعْلٍ مِنَ اْلأَفْعَالِ.
وَكَذَا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ تَعَالىٰ :الْعَجْزُ عَنْ مُمْكِنٍ مَّا، وَإِيجَادُ شَيْءٍ مِنَ الْعَالَمِ مَعَ كَرَاهَتِهِ لِوُجُودِهِ. أَيْ عَدَمِ إِرَادَتِهِ لَهُ تَعَالىٰ، أَوْ مَعَ الذُّهُولِ، أَوِ الْغَفْلَةِ،
أوْ بِالتَّعْلِيلِ، أَوْ بِالطَّبْعِ.
وَكَذَا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ تَعَالىٰ: الجَهْلُ وَمَا فِي مَعْنَاهُ بَمعْلُومٍ مَّا، وَالمَوْتُ، وَالصَّمَمُ، وَالْعَمى، وَالْبَكَمُ. وَأَضْدَادُ الصِّفَاتِ المَعْنَوِيَّةِ وَاضِحَةٌ مِنْ هَذِهِ.
« الصِّفَةُ الجَائِزَةُ »
وَأَمَّا الجَائِزُ فِي حقِّهِ تَعَالىٰ : فَفِعْلُ كَلِّ مَمْكِنٍ أَوْ تَرْكُهُ.
« بُرْهَانُ الصِفَةِ النَّفْسِيَّةِ »
أَمَّا بُرْهَانُ وُجَودِهِ تَعَالىٰ :فَحُدُوْثُ الْعَالَمِ، لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مُحْدِثٌ بَلْ حَدَثَ بِنَفْسِهِ لَزمَ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ اْلأَمْرَيْنِ المُتَسَاويَيْنِ مُسَاوِيًا لِصَاحِبِهِ رَاجِحًا عَلَيْهِ بِلاَ سَبَبٍ وَهُوَ مُحَالٌ.
وَدلِيلُ حُدُوثِ الْعَالَمِ مُلاَزَمَتُهُ لِلأَعْرَاضِ الحَادِثَةِ: مِنْ حَرَكَةٍ، وَسُكُونٍ وغَيْرِهِمَا، وَمُلاَزِمُ الحَادِثِ حَادِثٌ.
وَدَلِيلُ حُدُوثِ اْلأَعرَاضِ مُشَاهَدَةُ تَغَيُّرِهَا مِنْ عَدَمٍ إِلَى وَجَودٍ، وَمِنْ وُجُودٍ إِلَى عَدَمٍ.
« بُرْهَانُ الصِّفَاتِ السَلْبِيَّةِ »
وَأَمَّا بُرْهَانُ وُجُوبِ الْقِدَمِ لَهُ تَعَالىٰ : فَلأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ قَديمًا، لَكَانَ حَادِثًا فَيَفْتقِرُ إِلَى مُحْدِثٍ، فَيَلْزَمُ الدَّوْرُ، أوِ التَّسَلْسُلُ.
وَأَمَّا بُرْهَانُ وُجَوبِ الْبَقَاءِ لَهُ تَعَالىٰ : فَلأَنَّهُ لَوْ أَمْكَنَ أَنْ يَلْحَقَهُ الْعَدَمُ، لاَنْتَفَى عَنْهُ القِدَمُ لِكَوْنِ وُجُودِهِ حِينَئِذٍ جَائِزًا لاَ وَاجِبًا، وَالجَائِزُ لاَ يَكُونُ وُجُودُهُ إِلاَّ حَادِثًا، كَيْفَ! وَقَدْ سَبَقَ قَرِيبًا وُجُوبُ قِدَمِهِ تَعَالىٰ وَبَقَائِه؟
وَأَمَّا بُرْهَانُ وُجَوبِ مُخَالَفَتِهِ تَعَالىٰ لِلْحَوَادِثِ: فَلأَنَّهُ لَوْ مَاثلَ شَيْئًا مِنْهَا، لَكانَ حَادِثًا مِثْلَهَا، وَذلِكَ مُحَالٌ لِما عَرَفْتَ قَبْلُ مِنْ وُجُوبِ قِدَمِهِ تَعَالىٰ وَبَقَائِهِ.
وَأَمَّا بُرْهَانُ وَجَوب قِيَامِهِ تَعَالىٰ بِنَفْسِهِ: فَلأَنَّهُ تَعَالىٰ لَوِ احْتَاجَ إِلَى مَحَلٍّ لَكَانَ صفَةً، وَالصِّفَةُ لاَ تَتَّصِفُ بِصِفَاتِ المَعَانِي، وَلاَ المَعْنويَّةِ، وَمَوْلآنا جَلَّ وَعَزَّ يَجِب اتِّصَافُهُ بِهِمَا فَلَيْسَ بِصِفَةٍ. وَلَو احْتَاجَ إِلَى مُخَصِّصٍ لَكانَ حَادِثًا، كَيْفَ! وَقَدْ قامَ الْبُرْهَانُ عَلَى وُجُوبِ قِدَمِهِ تَعَالىٰ وَبقَائِهِ.
وَأَمَّا بُرْهَانُ وُجُوبِ الْوَحْدَانِيَّةِ لَهُ تَعَالىٰ : فَلأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ وَاحِدًا، لَزِمَ أَنْ لاَ يُوجَدَ شَيْءٌ مِنَ الْعَالَمِ لِلُزُومِ عَجْزِهِ حِينَئِذٍ.
« بُرْهَانُ الصِّفَاتِ المَعَانِيْ »
وَأَمَّا بُرْهَانُ وُجَوبِ اتِّصَافِهِ تَعالَى بِالْقُدْرَةِ وَاْلإِرَادَةِ وَالْعِلْم وَالحَيَاةِ: فَلِأَنَّهُ لَوِ انْتَفى شَيْءٌ مِنْهَا لَمَا وَجَدَ شَيْءٌ مِنَ الحَوَادِثِ .
وَأَمَّا بُرْهَانُ وُجَوبِ السَّمْعِ لَهُ تَعَالىٰ وَالْبَصَرِ وَالْكَلاَمِ:
فَالْكِتَابُ والسُّنةُ وَالإِجْمَاعُ، وَأَيْضًا: لَوْ لَمْ يتَّصِفْ بِهَا لَزِمَ أَنْ يَتَّصِفَ بِأَضْدَادِهَا، وَهِيَ نَقَائِصُ، وَالنَّقْصُ عَلَيْهِ تَعَالىٰ مُحَالٌ.
« بُرْهَانُ الصِّفَةِ الجَائِزَةِ »
وَأَمَّا بُرْهَانُ كَوْنِ فِعْل المُمْكِنَاتِ أَوْ تَرْكِهَا جَائِزًا فِي حَقِّهِ تَعَالىٰ : فَلأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ تَعَالىٰ شَيْءٌ مِنْهَا عَقْلاً، أَوِ اسْتَحالَ عَقْلاَ لاَ نْقَلَبَ المُمْكِنُ وَاجِبًا أَوْ مُسْتَحِيلاً، وذلِكَ لاَ يُعْقَلُ.
« الوَاجِبُ فِي حَقِّ الرَّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ »
وَأَمَّا الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ الصّلاة وَالسَّلاَمُ: فَيَجِبُ فِي حَقِّهِمُ: الصِّدْقُ، وَاْلأَمَانَةُ،
وَتَبْلِيغُ مَا أُمِرُوا بِتَبْلِيغِهِ لِلْخَلْقِ.
« المُسْتَحِيْلُ فِي حَقِّ الرَّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ »
وَيَسْتَحِيلُ فِي حَقِّهِمْ عَليْهِمُ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ أَضْدَادُ هذه الصِّفَاتِ وَهِيَ: الْكَذِبُ، وَالخِيَانَةُ بِفِعْلِ شَيْءٍ مِمَّا نُهِيَ عنهُ نَهْيَ تَحْرِيمٍ، أوْ كَرَاهَةٍ، وَكِتْمَانُ شَيْءٍ مِمَّا أُمِرُوا بِتَبْلِيغِهِ لِلْخَلْقِ.
« الجَائِزُ فِي حَقِّ الرَّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ »
وَيَجُوزُ فِي حَقَّهِمْ عَلَيْهِمُ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ مَا هُوَ مِنَ اْلأَعْرَاضِ الْبَشَرِيَّةِ الَّتي لاَ تُؤَدِّي إِلَى نَقْصٍ فِي مَرَاتِبِهِمُ الْعَلِيَّةِ كالْمَرَضِ وَنَحْوِهِ.
وأَمَّا بُرْهَانُ وُجُوبِ صِدْقِهِمْ عَلَيْهِمُ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: فَلأَنَّهُمْ لَو لَمْ يَصْدُقُوا لَلَزِمَ الَكَذِبُ فِي خَبَرِهِ تَعَالىٰ لِتَصْدِيقِهِ تَعَالىٰ لَهُمْ بِالْمُعْجزَةِ النَّازِلَةِ مَنْزِلَةَ قَوْلِهِ تَعَالىٰ: صَدَقَ عَبْدِي فِي كُلِّ مَا يُبَلِّغُ عَنِّي.
وَأمَّا بُرْهَانُ وُجُوبِ اْلأَمَانَةِ لَهُمْ عَلَيْهِمُ الصَّلاَةُ وّالسَّلاَمُ: فَلأَنَّهُمْ لَوْ خَانُوا بِفِعْلٍ مُحَرَّمٍ، أَوْ مَكْرُوهٍ، لاَ نْقَلَبَ المُحَرَّمُ، أَوِ المَكْروهُ طَاعَةً فِي حَقِّهِمْ، لأَنَّ اللّهَ تَعَالىٰ أَمَرَنَا بِالاِقْتِدَاءِ بِهِمْ فِي أَقْوالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ، وَلاَ يَأْمُرُ تَعَالىٰ بِمُحَرَّمٍ وَلاَ مَكْرُوهٍ، وَهذَا بِعَيْنِهِ هُوَ بُرْهَانُ وُجُوبِ الثَّالِثِ.
وَأَمَّا دَلِيلُ جَوَازِ اْلأَعْرَاضِ الْبَشَـرِيَّةِ عَلَيْهِمْ صلوَات الله وسلامهُ عليهم فَمشَاهَدَةُ وُقُوعِهَاَ بِهِمْ: إِمَّا لِتَعْظِيمِ أُجُورِهِمْ، أَوْ لِلتَّشْرِيعِ، أَوْ لِلتَّسَلِّي عَنِ الدُّنْيَا، أَوْ لِلتَّنْبِيهِ لِخِسَّةِ قَدْرِهَا عِنْدَ الله تَعَالىٰ ، وَعَدَمِ رِضَاهُ تعالى بِهَا دَارَ جَزَاءٍ لِأَنْبِيَائِهِ، وَأَوْليَائِهِ بِاعْتِبَارِ أَحْوَالِهِمْ فِيهَا عَلَيْهِمُ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ.
« مَعْنَى لاَ إِلٰهَ إِلاَّ اللّٰه مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللّٰه »
وَيَجْمَعُ مَعَانِي هذِهِ العَقَائِدِ كُلهَا قَوْلُ: لاَ إِلٰهَ إِلاَّ اللّٰه مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللّٰهِ، إِذْ مَعْنَى اْلأُلُوهِيَّةِ: اسْتِغْنَاءُ اْلإِلٰهِ عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ، وَافْتِقَارُ كُلِّ مَا عَدَاهُ إِلَيْهِ.
فَمَعْنى لاَ إِلٰهَ إِلاَّ اللّٰه : لاَ مُسْتَغْنِيَ عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ، وَمُفْتَقِرًا إِلَيْهِ كُلُّ مَا عَدَاهُ إِلاَّ اللّٰه تَعَالىٰ .
أَمَّا اسْتِغْنَاؤُهُ جَلَّ وَعَزَّ عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ، فَهُوَ يُوجِبُ لَهُ تَعَالىٰ: الْوُجُودَ، وَالْقِدَمَ، وَالْبَقَاءَ، وَالمُخَالَفَةَ لِلْحَوَادِثِ، وَالْقِيَامَ بِالنَّفْسِ، وَالتَّنَزُّهَ عَن النَّقَائِصِ.
وَيَدْخُلُ فِي ذلِكَ: وُجُوبُ السَّمْعِ لَهُ تَعَالىٰ وَالْبَصَرِ وَالْكَلاَمِ، إِذْ لَوْ لَمْ تَجِبْ لَهُ هٰذِهِ الصِّفَاتُ لكَانَ مُحْتَاجًا إِلَى المُحْدِثِ، أَوِ المَحَلِّ، أَوْ مَنْ يَدْفَعُ عَنْهُ النَّقَائِصَ.
وَيُؤُخذُ مِنْهُ: تَنَزُّهُهُ تَعَالىٰ عَنِ اْلأَغْرَاضِ فِي الأَفْعَالِ وَالأَحْكامِ، وَإِلاَّ لَزِمَ افْتِقَارُهُ إِلَى مَا يُحَصِّلُ غَرَضَهُ، كَيْفَ! وَهُوَ جَلَّ وَعَزَّ الْغَنِيُّ عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ؟
وَكذا يُؤْخَذُ مِنْهُ أَيْضًا: أَنَّهُ لاَ يَجِبُ عَلَيْهِ تَعَالىٰ فعْلُ شَيْءٍ مِنَ المُمْكنَاتِ وَلاَ تَرْكُهُ، إِذا لَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ تَعَالىٰ شَيْءٌ مِنْهَا عَقْلاً، أو اسْتَحاَلَ عقْلاً، كالثَّوَابِ مَثَلاً، لَكانَ جَلَّ وَعَزَّ مُفْتَقِرًا إِلَى ذلِكَ الشَّيْءِ لِيَتَكَمَّلَ بِهِ، إِذْ لاَ يَجِبُ فِي حَقِّهِ تَعَالىٰ إلاَّ مَا هُوَ كَمَالٌ لَهُ، كَيْفَ! وَهُوَ جَلَّ وَعَزَّ الْغَنِيُّ عنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ؟.
وَأَمَّا افْتِقَارُ كُلِّ مَا سِواَه إِلَيْهِ جَلَّ وَعَزَّ فَهُوَ يُوجِبُ لَهُ تَعَالىٰ الحَيَاةَ، وَعُمُومَ الْقُدْرَةِ وَاْلإِرَادَةِ وَالْعِلْمِ، إِذْ لَو انْتَفى شَيْءٌ مِنْهَا لَمَا أَمْكَنَ أَنْ يُوجَدَ شَيْءٌ مِنَ الحَوَادِثِ فَلاَ يَفْتَقِرُ إِلَيْهِ شَيْءٌ، كَيْفَ! وَهُوَ الَّذِي يَفتْقِرُ إِلَيْهِ كُلُّ مَا سِوَاهُ؟.
وَيُوجِبُ لَهُ تَعَالىٰ أَيْضًا الْوَحْدَانِيةَ، إِذْ لَوْ كانَ مَعَهُ ثَانٍ فِي اْلأُلُوهِيَّةِ لما افْتقَرَ إِلَيْهِ شَيْءٌ لِلُزُومِ عَجْزِهِمَا حِينَئِذٍ،كَيْفَ! وَهُوَ الَّذِي يَفْتَقِرُ إِلَيْهِ كَلُّ مَا سِوَاهُ؟.
وَيُؤْخَذُ منْهُ أَيْضًا: حُدُوثُ الْعَالَمِ بِأَسْرهِ، إِذْ لوْ كانَ شَيْءٌ مِنْهُ قَديمًا لَكَانَ ذلِكَ الشَّيْءُ مُسْتَغْنِيًا عَنْهُ تَعَالىٰ ،كَيْفَ! وَهُوَ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يَفتْقِرَ إِلَيْهِ كُلُّ مَا سِوَاهُ؟.
وَيُؤُخَذُ مِنْهُ أَيْضًا: أَنَّهُ لاَ تَأْثِيرَ لِشَيْءٍ مِنَ الْكَائِنَاتِ فِي أَثَرٍ مَّا، وَإلّا لَزِمَ أَنْ يَسْتَغْنِيَ ذلِكَ اْلأَثَرُ عَنْ مَوْلآناَ جَلَّ وَعَزَّ، كَيْفَ! وَهُوَ الَّذِي يَفْتَقِرُ إِلَيْهِ كُلُّ مَا سِوَاهُ عُمُومًا، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ، هذَا إِنْ قَدَّرْتَ أَنَّ شَيْئًا مِنَ الْكائِنَاتِ يُؤَثّرُ بِطَبْعِهِ.
وَأَمَّا إِنْ قَدَّرْتَهُ مُؤَثِّرًا بِقُوَّةٍ جَعَلَهَا اللّٰه فِيهِ كَمَا يَزْعُمُهُ كَثِيرٌ مِنَ الْجَهَلَةِ، فَذٰلِكَ مُحَالٌ أَيْضًا، لأَنَّهُ يَصِيرُ حِيْنَئِذٍ مَوْلآناَ جَلَّ وَعَزَّ مُفْتَقِرًا فِي إِيجَادِ بَعْضِ اْلأَفْعَالِ إِلَى وَاسِطَةٍ، وَذلِكَ بَاطِلٌ لِمَا عَرَفْتَ قَبْلُ مِنْ وُجُوبِ اسْتِغْنَائِهِ جَلَّ وَعَزَّ عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ.
فَقَدْ بَانَ لَكَ تَضَمُّنُ قَوْلِ: لاَ إِلٰهَ إِلاَّ اللّٰه لِلأَقْسَامِ الثَّلاَثَةِ التَّيِ يَجِبُ عَلَى المُكَلَّفِ مَعْرِفَتُهَا فِي حَقِّ مَوْلآناَ جَلَّ وَعَزَّ، وَهِيَ: مَا يَجِبُ فِي حَقِّهِ تَعَالىٰ ، وَمَا يَسْتَحِيلُ، وَمَا يَجُوزُ.
وَأَمَّا قَوْلُنَا : مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ صَلى الله عليه وسلم فَيَدْخُلُ فِيْهِ اْلإِيمَانُ بِسَائِرِ اْلأَنْبِيَاءِ وَالمَلاَئِكَةِ عَلَيْهِمُ الصّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَالْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ وَاْليَوْمِ الآخِرِ، لأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ جَاءَ بِتَصْدِيقِ جَمِيعِ ذلِكَ كُلِّهِ.
وَيُؤْخَذُ مِنْهُ: وُجُوبُ صِدْقِ الرّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ، وَاسْتِحَالَةُ الْكَذِبِ عَلَيْهِمْ، وَإِلاَّ لَمْ يَكُونُوا رُسُلاً أُمَنَاءَ لِمَوْلآناَ الْعَالِمِ بِاالخَفِيَّاتِ جَلَّ وَعَزَّ. وَاسْتِحَالَةُ فِعْلِ المَنْهِيَّاتِ كلِّهَا، لأَنَّهُمْ أُرْسِلُوا لِيُعَلِّمُوا النَّاسَ بِأَقْوَالِهِمْ، وَأفْعَالِهِمْ وَسُكُوتِهِمْ، فَيَلْزَمُ أَنْ لاَ يَكُونَ فِي جَمِيعِهَا مُخَالَفَةٌ لأَمْرِ مَوْلآناَ جَلَّ وَعَزَّ الَّذِي اخْتَارَهُمْ عَلَى جَمِيعِ الخَلْقِ وَأَمِنَهُمْ عَلَى سِرِّ وَحْيِهِ.
وَيُؤْخَذُ مِنْهُ: جَوَازُ اْلأَعْرَاضِ الْبَشَرِيَّةِ عَلَيْهِمُ الَّتِى لَاتُؤَدِّي إِلى نَقْصٍ فِى مَرَاتِبِهِمُ الْعَلِيَّةِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، إِذْ ذَاكَ لاَ يَقْدَحُ فِي رِسَالَتهمْ، وَعُلُوِّ مَنْزِلَتِهِمْ عِنْدَ اللهِ تَعَالىٰ بَلْ ذَاكَ مِمَّا يَزِيدُ فِيهَا.
فَقَدِاتَّضَحَ لَكَ تَضَمُّنُ كَلِمَتَيِ الشَّهَادَةِ مَعَ قِلَّةِ حُرُوفِهَا لِجَمِيعِ مَا يَجِبُ عَلَى المُكَلَّفِ مَعْرِفَتُهُ مِنْ عَقَائِدِ اْلإِيمَانِ فِي حَقِّهِ تَعَالىٰ وَفِي حَقِّ رُسُلِهِ عَلَيْهِمُ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ.
وَلَعَلَّهَا لاِخْتِصَارِهَا مَعَ اشْتِمَالِهَا عَلَى مَا ذكَرْنَاهُ جَعَلَهَا الشَّـرْعُ تَرْجمَةً عَلَى مَا فِي الْقلْبِ مِنَ اْلإِسْلامِ، وَلَمْ يَقْبَلْ مِنْ أَحَدٍ اْلإِيمَان إِلاَّ بِهَا.
فَعَلى الْعَاقِلِ أَنْ يُكْثِرَ مِنْ ذِكْرِهَا .مُسْتَحْضِرًا لِمَا احْتَوَتْ عَلَيْهِ مِنْ عَقَائِدِ اْلإِيمَانِ، حَتَّى تَمْتَزِجَ مَعَ مَعْنَاهَا بِلَحْمِهِ وَدَمِهِ. فَإِنَّهُ يَرى لَهَا مِنَ اْلأَسْرَارِ وَالْعَجَائِبِ إنْ شَاءَ اللّٰه تَعَالىٰ مَالاَ يَدْخُلُ تَحْتَ حَصْرٍ،
وَباللّٰه تَعَالَى التَّوْفِيقُ لاَ رَبَّ غَيْرُهُ، وَلاَ مَعْبُودَ سِوَاهُ .
نَسْأَلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالىٰ أَنْ يَجعَلَنَا وَأحِبَّتَنَا عِنْدَ المَوْتِ نَاطِقِينَ بِكَلِمَةِ الشَّهَادَة عَالِمِينَ بِهَا وَصَلَّى اللّٰه عَلَى سَيِّدنَا مُحَمَّدِ كُلَّمَا ذَكَرَهُ الذَّاكرُونَ وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِهِ الْغَافِلُونَوَرَضِىَ اللّٰه تَعَالى عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللّهِ أَجْمَعِينَ
وَعَنِ التَّابِعِين لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ
وَسَـــلاَمٌ عَــلَى جَمِيْعِ المُـــرْسَــلِـــينَ
وَالحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينِ
آمين