مقدمة
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وآله الطاهرين وصحابته أجمعين.
قال القاضي أبو شجاع أحمد بن الحسين بن أحمد الأصفهاني رحمه الله تعالى: سألني بعض الأصدقاء حفظهم الله تعالى أن أعمل مختصراً في الفقه على مذهب الإمام الشافعي رحمة الله عليه ورضوانه في غاية الاختصار ونهاية الإيجاز ليقرب على المتعلم درسه ويسهل على المبتدئ حفظه وأن أكثر من التقسيمات وحصر الخصال.
فأجبته إلى ذلك طالباً للثواب راغباً إلى الله تعالى في التوفيق للصواب.
إنه على ما يشاء قدير وبعباده لطيف خبير.
خطبة الشارح محمد الشربيني الخطيب:
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
الْحَمد لله الَّذِي نشر للْعُلَمَاء أعلاما وثَبت لَهُم على الصِّرَاط الْمُسْتَقيم أقداما وجعل مقَام الْعلم أَعلَى مقَام وفضل الْعلمَاء بِإِقَامَة الْحجَج الدِّينِيَّة ومَعْرِفَة الْأَحْكَام وأودع العارفين لطائف سره فهم أهل المحاضرة والإلهام ووفق العاملين, لخدمته, فهجروا لذيذ الْمَنَام وأذاق المحبين لَذَّة قربه وأنسه, فشغلهم عَن جَمِيع الْأَنَام.
أَحْمَده سُبْحَانَهُ وتَعَالَى على جزيل الإنعام وأشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وحده لَا شريك لَهُ الْملك العلام وأشْهد أَن سيدنَا ونَبِينَا مُحَمَّدًا صلى الله عَلَيْهِ وسلم عَبده ورَسُوله وصفيه وخليله, إِمَام كل إِمَام وعَلى آله وأَصْحَابه وأزواجه وذريته الطيبين الطاهرين, صَلَاة وسلَامًا دائمين متلازمين إِلَى يَوْم الدّين.
وبعد: فَيَقُول الْفَقِير إِلَى رَحْمَة ربه الْقَرِيب الْمُجيب, مُحَمَّد الشربيني الْخَطِيب: إِن مُخْتَصر الإِمَام الْعَالم الْعَلامَة الحبر الْبَحْر الفهامة شهَاب الدُّنْيَا والدّين, أَحْمد بن الْحُسَيْن بن أَحْمد الْأَصْفَهَانِي, الشهير بِأبي شُجَاع, الْمُسَمّى ((بغاية الِاخْتِصَار)).
لما كَانَ من أبدع مُخْتَصر فِي الْفِقْه صنف وأجْمع مَوْضُوع لَهُ فِيهِ على مِقْدَار حجمه ألف, التمس مني بعض الأعزة عَليّ المترددين إِلَيّ أَن أَضَع عَلَيْهِ شرحا, يُوضح مَا أشكل مِنْهُ, ويفتح مَا أغلق مِنْهُ ضاما إِلَى ذَلِك من الْفَوَائِد المستجدات والْقَوَاعِد المحررات, الَّتِي وضَعتهَا فِي شروحي على التَّنْبِيه والمنهاج والبهجة, فاستخرت الله تَعَالَى مُدَّة من الزَّمَان ـ بعد أَن صليت رَكْعَتَيْنِ فِي مقَام إمامنا الشَّافِعِي رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وأرضاه وجعل الْجنَّة منقلبه ومثواه.
فَلَمَّا انْشَرَحَ لذَلِك صَدْرِي؛ شرعت فِي شرح تقربه أعين أولي الرغبات راجيا بذلك, جزيل الْأجر والثَّوَاب. أجافي فِيهِ الإيجاز المخل والإطناب الممل حرصا على التَّقْرِيب لفهم قاصده والحصول على فَوَائده, ليكتفي بِهِ الْمُبْتَدِي عَن المطالعة فِي غَيره والمتوسط عَن الْمُرَاجَعَة لغيره فَإِنِّي مُؤَمل من الله تَعَالَى أَن يَجْعَل هَذَا الْكتاب عُمْدَة ومرجعا ببركة الكريم الْوَهَّاب, فَمَا كل من صنف أَجَاد ولَا كل من قَالَ وفّى بالمراد والْفضل مواهب والنَّاس فِي الْفُنُون مَرَاتِب والنَّاس يتفاوتون فِي الْفَضَائِل،
وقد تظفر الْأَوَاخِر بِمَا تركته الْأَوَائِل وكم ترك الأول للْآخر وكم لله على خلقه من فضل وجود وكل ذِي نعْمَة مَحْسُود والحسود لَا يسود.
وسميته بالإقناع فِي حل أَلْفَاظ أبي شُجَاع, أعانني الله على إكماله وجعله خَالِصا لوجهه الْكَرِيم بكرمه وأفضاله فَلَا ملْجأ مِنْهُ إِلَّا إِلَيْهِ ولَا إعتماد إِلَّا عَلَيْهِ وهُوَ حسبي ونعم الْوَكِيل وأسأله السّتْر الْجَمِيل.
شرح خطبة المؤلف
قَالَ الْمُؤلف رَحمَه الله تَعَالَى:
(بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم)، أَي أبتديء وأفتتح أَو أؤلف وهَذَا أولى إِذْ كل فَاعل يبْدَأ فِي فعله بِبسْم الله يضمر مَا جعل التَّسْمِيَة مبدأ لَهُ كَمَا أَن الْمُسَافِر إِذا حل أَو ارتحل فَقَالَ "بِسم الله" كَانَ الْمَعْنى باسم الله أحل أَو ارتحل.
والِاسْم : مُشْتَقّ من السمو وهُوَ الْعُلُوّ فَهُوَ من الْأَسْمَاء المحذوفة الإعجاز كيد ودم لِكَثْرَة الِاسْتِعْمَال, بنيت أوائلها على السّكُون وأدْخل عَلَيْهَا همزَة الْوَصْل لتعذر الِابْتِدَاء بالساكن.
وقيل من الوسم وهُوَ الْعَلامَة وفِيه عشر لُغَات نظمها بَعضهم فِي بَيت, فَقَالَ:
سم وسما واسم بِتَثْلِيث أول ... لَهُنَّ سَمَاء عَاشر تمت انجلى
وَالله: علم على الذَّات الْوَاجِب الْوُجُود الْمُسْتَحق لجَمِيع المحامد, لم يتسم بِهِ سواهُ, تسمى بِهِ قبل أَن يُسمى وأنزله على آدم فِي جملَة الْأَسْمَاء, قَالَ تَعَالَى: {هَل تعلم لَهُ سميّا} « مريم: 65 » أَي هَل تعلم أحدا سمى الله, غير الله وأَصله إِلَه, كإمام ثمَّ أدخلُوا عَلَيْهِ الْألف وَاللَّام ثمَّ حذفت الْهمزَة الثَّانِيَة طلبا للخفة ونقلت حركتها إِلَى اللَّام فَصَارَ اللاه بلامين متحركين, ثمَّ سكنت الأولى وأدغمت فِي الثَّانِيَة للتسهيل.
والإله فِي الأَصْل: يَقع على كل معبود بِحَق أَو بَاطِل, ثمَّ غلب على المعبود بِحَق كَمَا أَن النَّجْم اسْم لكل كَوْكَب, ثمَّ غلب على الثريا وهُوَ عَرَبِيّ عِنْد الْأَكْثَر وعند الْمُحَقِّقين أَنه اسْم الله الْأَعْظَم.
وقد ذكر فِي الْقُرْآن الْعَزِيز فِي أَلفَيْنِ وثلثمائة وسِتِّينَ موضعا واخْتَارَ النَّوَوِيّ تبعا لجَماعَة, أَنه الْحَيّ القيوم.
قَالَ: ولذَلِك لم يذكر فِي الْقُرْآن إِلَّا فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع, فِي الْبَقَرَة وآل عمرَان وطه.
والرحمن الرَّحِيم: صفتان مشبهتان بنيتا للْمُبَالَغَة من مصدر رحم والرحمن أبلغ من الرَّحِيم, لِأَن زِيَادَة الْبناء تدل على زِيَادَة الْمَعْنى, كَمَا فِي قطع بِالتَّخْفِيفِ وقطع بِالتَّشْدِيدِ وقدم الله عَلَيْهِمَا, لِأَنَّهُ اسْم ذَات وهما اسْما صفة وقدم الرَّحْمَن على الرَّحِيم لِأَنَّهُ خَاص إِذْ لَا يُقَال لغير الله بِخِلَاف الرَّحِيم والْخَاص مقدم على الْعَام.
[فَائِدَة] قَالَ النَّسَفِيّ فِي تَفْسِيره, قيل: إِن الْكتب الْمنزلَة من السَّمَاء إِلَى الدُّنْيَا مائَة وأَرْبَعَة صحف: شِيث سِتُّونَ وصحف إِبْرَاهِيم ثَلَاثُونَ وصحف مُوسَى قبل التَّوْرَاة عشر والتوراة والزَّبُور والْإِنْجِيل والْفرْقَان.
ومعاني كل الْكتب مَجْمُوعَة فِي الْقُرْآن ومعاني الْقُرْآن مَجْمُوعَة فِي الْفَاتِحَة ومعاني الْفَاتِحَة مَجْمُوعَة فِي الْبَسْمَلَة ومعاني الْبَسْمَلَة مَجْمُوعَة فِي بائها ومَعْنَاهَا بِي كَانَ مَا كَانَ وبِي يكون مَا يكون زَاد بَعضهم ومعاني الْبَاء فِي نقطتها.
(الْحَمد لله) بَدَأَ بالبسملة ثمَّ بالحمدلة اقْتِدَاء بِالْكتاب الْعَزِيز وعَملا بِخَبَر كل أَمر ذِي بَال أَي حَال يهتم بِهِ شرعا لَا يبْدَأ فِيهِ بِبسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم فَهُوَ أقطع أَي نَاقص غير تَامّ فَيكون قَلِيل الْبركَة وفِي رِوَايَة رَوَاهَا أَبُو دَاوُد بِالْحَمْد لله وجمع المُصَنّف رَحمَه الله تَعَالَى كَغَيْرِهِ بَين الابتدائين عملا بالروايتين وإِشَارَة إِلَى أَنه لَا تعَارض بَينهمَا, إِذْ الِابْتِدَاء حَقِيقِيّ وإضافي.
فالحقيقي: حصل بالبسملة. والإضافي: بالحمدلة, أَو أَن الِابْتِدَاء لَيْسَ حَقِيقِيًّا, بل هُوَ أَمر عرفي يَمْتَد من الْأَخْذ فِي التَّأْلِيف إِلَى الشُّرُوع فِي الْمَقْصُود.
فالكتب المصنفة مبدؤها الْخطْبَة بِتَمَامِهَا.
والْحَمْد اللَّفْظِيّ لُغَة: الثَّنَاء بِاللِّسَانِ على الْجَمِيل الِاخْتِيَارِيّ على جِهَة التبجيل: أَي التَّعْظِيم, سَوَاء تعلق بالفضائل وهِي النعم القاصرة أم بالفواضل وهِي النعم المتعدية فَدخل فِي الثَّنَاء الْحَمد وغَيره وخرج بِاللِّسَانِ الثَّنَاء بِغَيْرِهِ, كالحمد النَّفْسِيّ وبالجميل الثَّنَاء بِاللِّسَانِ على غير جميل إِن قُلْنَا بِرَأْي ((ابْن عبد السَّلَام)) إِن الثَّنَاء حَقِيقَة فِي الْخَيْر والشَّر وإِن قُلْنَا بِرَأْي الْجُمْهُورـ وهُوَ الظَّاهِرـ أَنه حَقِيقَة فِي الْخَيْر فَقَط,
ففائدة ذَلِك تَحْقِيق الْمَاهِيّة أَو دفع توهم إِرَادَة الْجمع بَين الْحَقِيقَة والْمجَاز عِنْد من يجوزه وبالاختياري الْمَدْح, فَإِنَّهُ يعم الِاخْتِيَارِيّ وغَيره, تَقول: مدحت اللؤلؤة على حسنها دون حمدتها وبعلى جِهَة التبجيل مَا كَانَ على جِهَة الِاسْتِهْزَاء والسخرية نَحْو: {ذُقْ إِنَّك أَنْت الْعَزِيز الْكَرِيم} [الدخان: 49], وعرفا فعل ينبيء عَن تَعْظِيم الْمُنعم من حَيْثُ إِنَّه منعم على الحامد أَو غَيره, سَوَاء كَانَ ذكرا بِاللِّسَانِ أم اعتقادا, ومحبة بالجنان أَو عملا وخدمة بالأركان. كَمَا قيل:
أفادتكم النعماء مني ثَلَاثَة ... يَدي ولساني والضَّمِير المحجبا
وَالشُّكْر لُغَة: هُوَ الْحَمد عرفا وعرفا صرف العَبْد جَمِيع مَا أنعم الله بِهِ عَلَيْهِ من السّمع وغَيره إِلَى مَا خلق لأَجله.
والمدح لُغَة: الثَّنَاء بِاللِّسَانِ على الْجَمِيل مُطلقًا, على جِهَة التَّعْظِيم. وعرفا: مَا يدل على اخْتِصَاص الممدوح بِنَوْع من الْفَضَائِل.
وجُمْلَة ((الْحَمد لله)) خبرية لفظا إنشائية معنى, لحُصُول الْحَمد بالتكلم بهَا مَعَ الإذعان لمدلولها ويجوز أَن تكون مَوْضُوعَة شرعا للإنشاء والْحَمْد مُخْتَصّ بِاللَّه تَعَالَى كَمَا أفادته الْجُمْلَة, سَوَاء جعلت فِيهِ أل للاستغراق كَمَا عَلَيْهِ الْجُمْهُور وهُوَ ظَاهر أم للْجِنْس كَمَا عَلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيّ: لِأَن لَام لله للاختصاص فَلَا فَرد مِنْهُ لغيره تَعَالَى, أم للْعهد العلمي كَالَّتِي فِي قَوْله تَعَالَى: {إِذْ هما فِي الْغَار} [التوبة: 40], كَمَا نَقله ابْن عبد السَّلَام وأَجَازَهُ الواحدي, على معنى أَن الْحَمد الَّذِي حمد الله بِهِ في نَفسه, وحمده بِهِ أنبياؤه, وأولياؤه مُخْتَصّ بِهِ.
والْعبْرَة بِحَمْد من ذكر فَلَا فَرد مِنْهُ لغيره وأولى الثَّلَاثَة الْجِنْس.
وقَوله (رب) بِالْجَرِّ على الصّفة - مَعْنَاهُ الْمَالِك لجَمِيع الْخلق من الْإِنْس والْجِنّ والْمَلَائِكَة والدَّوَاب وغَيرهم, إِذْ كل مِنْهَا يُطلق عَلَيْهِ عَالم, يُقَال: عَالم الْإِنْس وعالم الْجِنّ إِلَى غير ذَلِك.
وسمي الْمَالِك بالرب, لِأَنَّهُ يحفظ مَا يملكهُ ويربيه ولَا يُطلق على غَيره, إِلَّا مُقَيّدا, كَقَوْلِه تَعَالَى: {ارْجع إِلَى رَبك}[يوسف: 50], وقَوله ((الْعَالمين)) اسْم جمع عَالم ـ بِفَتْح اللَّام ولَيْسَ جمعا لَهُ, لِأَن الْعَالم عَام فِي الْعُقَلَاء وغَيرهم والْعَالمِينَ مُخْتَصّ بالعقلاء والْخَاص لَا يكون جمعا لما هُوَ أَعم مِنْهُ,
قَالَه ابْن مَالك وتَبعهُ ابْن هِشَام فِي تَوْضِيحه وذهب كثير, إِلَى أَنه جمع عَالم على حَقِيقَة الْجمع ثمَّ اخْتلفُوا فِي تَفْسِير الْعَالم الَّذِي هُوَ جمع هَذَا الْجمع.
فَذهب أَبُو الْحسن, إِلَى أَنه أَصْنَاف الْخلق الْعُقَلَاء وغَيرهم وهُوَ ظَاهر كَلَام الْجَوْهَرِي وذهب أَبُو عُبَيْدَة إِلَى أَنه أَصْنَاف الْعُقَلَاء فَقَط وهم الْإِنْس والْجِنّ والْمَلَائِكَة.
ثمَّ قرن بالثناء على الله تَعَالَى الثنَاء على نبيه صلى الله عَلَيْهِ وسلم بقوله: (وصلي الله) وسلم (على سيدنَا مُحَمَّد النَّبِي) لقَوْله تَعَالَى: {ورفعنا لَك ذكرك}[الشرح: 4] أَي لَا أذكر إِلَّا وتذكر معي, كَمَا فِي صَحِيح ابْن حبَان ولقَوْل الشَّافِعِي رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: "أحب أَن يقدم الْمَرْء بَين يَدي خطبَته"ـ أَي بِكَسْر الْخَاء ـ وكل أَمر طلبه غَيرهَا حمد الله والثنَاء عَلَيْهِ والصَّلَاة على النَّبِي صلى الله عَلَيْه وسلم.
وإفراد الصَّلَاة عَن السَّلَام مَكْرُوه, كَمَا قَالَه النَّوَوِيّ فِي أذكاره وكَذَا عَكسه ويحْتَمل أَن المُصَنّف أَتَى بهَا لفظا وأسقطها خطأ ويخرج بذلك من الْكَرَاهَة.
والصَّلَاة من الله تَعَالَى رَحْمَة مقرونة بتعظيم ومن الْمَلَائِكَة اسْتِغْفَار ومن الْآدَمِيّين, أَي ومن الْجِنّ تضرع ودُعَاء.
قَالَه الْأَزْهَرِي وغَيره واخْتلف فِي وقت وجوب الصَّلَاة على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وسلم على أَقْوَال:
أَحدهَا: كل صَلَاة واخْتَارَهُ الشَّافِعِي فِي التَّشَهُّد الْأَخير مِنْهَا.
وَالثَّانِي: فِي الْعُمر مرّة.
وَالثَّالِث: كلما ذكر واخْتَارَهُ الحليمي من الشَّافِعِيَّة والطَّحَاوِي من الْحَنَفِيَّة،واللَّخْمِيّ من الْمَالِكِيَّة وابْن بطة من الْحَنَابِلَة.
وَالرَّابِع: فِي كل مجْلِس.
وَالْخَامِس: فِي أول كل دُعَاء وفِي وسطه وفِي آخِره لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وسلم لَا تجعلوني كقدح الرَّاكِب بل اجعلوني فِي أول كل دُعَاء وفِي وسطه وفِي آخِره رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ عَن جَابر.
وَمُحَمّد: علم على نَبينَا صلى الله عَلَيْهِ وسلم, مَنْقُول من اسْم مفعول الْفِعْل المضعف, سمي بِهِ بإلهام من الله تَعَالَى, بِأَنَّهُ يكثر حمد الْخلق لَهُ, لِكَثْرَة خصاله الحميدة, كَمَا رُوِيَ فِي السّير أَنه قيل لجده عبد الْمطلب ـ وقد سَمَّاهُ فِي سَابِع ولَادَته لمَوْت أَبِيه قبلهَا, لم سميت ابْنك مُحَمَّدًا ولَيْسَ من أَسمَاء آبَائِك ولَا قَوْمك؟ قَالَ: رَجَوْت أَن يحمد فِي السَّمَاء والْأَرْض وقد حقق الله تَعَالَى رَجَاءَهُ كَمَا سبق فِي علمه،
والنَّبِيّ: إِنْسَان أُوحِي إِلَيْهِ بشرع وإِن لم يُؤمر بتبليغه.
والرَّسُول: إِنْسَان أُوحِي إِلَيْهِ بشرع وأمر بتبليغه فَكل رَسُول نَبِي ولَا عكس.
(و) عَلى (آله) وهم على الْأَصَح مؤمنو بني هَاشم وبني الْمطلب وقيل كل مُؤمن تَقِيّ وقيل أمته واخْتَارَهُ جمع من الْمُحَقِّقين.
والْمطلب: مفتعل من الطّلب واسْمه شيبَة الْحَمد على الْأَصَح لِأَنَّهُ ولد وفِي رَأسه شيبَة ظَاهِرَة فِي ذؤابتيه.
وهَاشِم: لقب واسْمه عَمْرو وقيل لَهُ هَاشم لِأَن قُريْشًا أَصَابَهُم قحط فَنحر بَعِيرًا وجعله لِقَوْمِهِ مرقة وثريدا, فَلذَلِك سمي هاشما لهشمه الْعظم.
(و) عَلى (صَحبه) وهُوَ جمع صَاحب والصحابي: من اجْتمع مُؤمنا بِالنَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وسلم فِي حَيَاته ولَو سَاعَة ولَو لم يرو عَنهُ شَيْئا, فَيدْخل فِي ذَلِك الْأَعْمَى كَابْن أم مَكْتُوم والصَّغِير ولَو غير مُمَيّز, كمن حنكه صلى الله عَلَيْهِ وسلم أَو وضع يَده على رَأسه.
وقَوله (أَجْمَعِينَ) تَأْكِيد, وَفِي بعض النّسخ ((أما بعد)) سَاقِطَة فِي أَكْثَرهَا أَي بعد مَا تقدم من الْحَمد وغَيره وهَذِه الْكَلِمَة يُؤْتى بهَا للانتقال من أسلوب إِلَى آخر ولَا يجوز الْإِتْيَان بهَا فِي أول الْكَلَام ويسْتَحب الْإِتْيَان بهَا فِي الْخطب والمكاتبات اقْتِدَاء برَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وسلم.
وقد عقد البُخَارِيّ لَهَا بَابا فِي كتاب الْجُمُعَة وذكر فِيهِ أَحَادِيث كَثِيرَة والْعَامِل فِيهَا أما عِنْد سِيبَوَيْهٍ لنيابتها عَن الْفِعْل أَو الْفِعْل نَفسه عِنْد غَيره.
والْأَصْل: مهما يكن من شَيْء بعد. (فقد سَأَلَني) أَي طلب مني (بعض الأصدقاء) جمع صديق وهُوَ الْخَلِيل.
وقَوله (حفظهم الله تَعَالَى) جملَة دعائية أَن أعمل أَي أصنف مُخْتَصرا وهُوَ مَا قل لَفظه وكثر مَعْنَاهُ, لَا مَبْسُوطا وهُوَ مَا كثر لَفظه ومَعْنَاهُ.
قَالَ الْخَلِيل: الْكَلَام يبسط ليفهم ويختصر ليحفظ فِي علم الْفِقْه الَّذِي هُوَ الْمَقْصُود من بَين الْعُلُوم بِالذَّاتِ وباقيها لَهُ كالآلات, لِأَن بِهِ يعرف الْحَلَال والْحرَام وغَيرهمَا من الْأَحْكَام وقد تظاهرت الْآيَات والْأَخْبَار والْآثَار وتواترت وتطابقت الدَّلَائِل الصَّرِيحَة وتوافقت على فَضِيلَة الْعلم والحث على تَحْصِيله والِاجْتِهَاد فِي اقتباسه وتعليمه.
فَمن الْآيَات قَوْله تَعَالَى {هَل يَسْتَوِي الَّذين يعلمُونَ والَّذين لَا يعلمُونَ}،[الزمر: 9]. وقَوله تَعَالَى {وَقل رب زِدْنِي علما}،[طه: 114] وقَوله تَعَالَى {إِنَّمَا يخْشَى الله من عباده الْعلمَاء}،فاطر: 28] والآيات فِي ذَلِك كَثِيرَة مَعْلُومَة.
وَمن الْأَخْبَار قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وسلم ((من يرد الله بِهِ خيرا يفقه فِي الدّين)) رَوَاهُ البُخَارِيّ ومُسلم. وقَوله صلى الله عَلَيْهِ وسلم لعَلي رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ ((لِأَن يهدي الله بك رجلا واحِدًا خير لَك من حمر النعم)) رَوَاهُ سهل عَن ابْن مَسْعُود. وقَوله صلى الله عَلَيْهِ وسلم ((إِذا مَاتَ ابْن آدم انْقَطع عمله إِلَّا من ثَلَاث صَدَقَة جَارِيَة أَو علم ينْتَفع بِهِ أَو ولد صَالح يَدْعُو لَهُ)). والْأَحَادِيث فِي ذَلِك كَثِيرَة مَعْلُومَة مَشْهُورَة.
وَمن الْآثَار عَن عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ ((كفى بِالْعلمِ شرفا أَن يَدعِيهِ من لَا يُحسنهُ ويفرح بِهِ إِذا نسب إِلَيْهِ وكفى بِالْجَهْلِ ذما أَن يتبرأ مِنْهُ من هُوَ فِيهِ)). وعَن عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَيْضا ((الْعلم خير من المَال, الْعلم يحرسك وأَنت تحرس المَال والْمَال تنقصه النَّفَقَة والْعلم يزكو بِالْإِنْفَاقِ)) وعَن الشَّافِعِي رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ ((من لَا يحب الْعلم لَا خير فِيهِ فَلَا يكن بَيْنك وبَينه معرفَة ولَا صداقة فَإِنَّهُ حَيَاة الْقُلُوب ومصباح البصائر)) وعَن الشَّافِعِي أَيْضا رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ طلب الْعلم أفضل من صَلَاة النَّافِلَة وعَن ابْن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ مجْلِس فقه خير من عبَادَة سِتِّينَ سنة والْآثَار فِي ذَلِك كَثِيرَة مَعْلُومَة.
ثمَّ اعْلَم أَن مَا ذَكرْنَاهُ فِي فضل الْعلم إِنَّمَا هُوَ فِيمَن طلبه مرِيدا بِهِ وجه الله تَعَالَى, فَمن أَرَادَهُ لغَرَض دُنْيَوِيّ, كَمَال أَو رياسة, أَو منصب, أَو جاه, أَو شهرة, أَو نَحْو ذَلِك, فَهُوَ مَذْمُوم قَالَ الله تَعَالَى {من كَانَ يُرِيد حرث الْآخِرَة نزد لَهُ فِي حرثه ومن كَانَ يُرِيد حرث الدُّنْيَا نؤته مِنْهَا ومَا لَهُ فِي الْآخِرَة من نصيب}،[الشور:20] وقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وسلم ((من تعلم علما ينْتَفع بِهِ فِي الْآخِرَة يُرِيد بِهِ عرضا من الدُّنْيَا لم يرح رَائِحَة الْجنَّة)) أَي لم يجد رِيحهَا. وقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وسلم ((أَشد النَّاس عذَابا يَوْم الْقِيَامَة - أَي من الْمُسلمين - عَالم لَا ينْتَفع بِعِلْمِهِ)) وفِي ذمّ الْعَالم الَّذِي لم يعْمل بِعِلْمِهِ أَخْبَار كَثِيرَة وفِي هَذَا الْقدر كِفَايَة, لمن وفقه الله تَعَالَى.
وَالْفِقْه لُغَة: الْفَهم مُطلقًا كَمَا صَوبه الأسنوي.
واصْطِلَاحا: كَمَا فِي قَوَاعِد الزَّرْكَشِيّ, معرفَة أَحْكَام الْحَوَادِث نصا واستنباطا.
(على مَذْهَب), أَي مَا ذهب إِلَيْهِ (الإِمَام الشَّافِعِي) من الْأَحْكَام فِي الْمسَائِل مجَازًا عَن مَكَان الذّهاب.
وذكر المُصَنّف هُنَا الشَّافِعِي رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ, فلنتعرض إِلَى طرف من أخباره تبركا بِهِ.
فَنَقُول: هُوَ حبر الْأمة, وسلطان الْأَئِمَّة مُحَمَّد أَبُو عبد الله بن إِدْرِيس بن الْعَبَّاس بن عُثْمَان بن شَافِع بن السَّائِب بن عبيد بن عبد يزِيد بن هَاشم بن عبد الْمطلب بن عبد منَاف, جد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وسلم, لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وسلم مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الْمطلب بن هَاشم بن عبد منَاف وهَذَا نسب عَظِيم.
كَمَا قيل:
نسب كَأَن عَلَيْهِ من شمس الضُّحَى
نورا ومن فلق الصَّباح عمودا
مَا فِيهِ إِلَّا سيد من سيد
حَاز المكارم والتقى والجودا
وشافع بن السَّائِب: هُوَ الَّذِي نسب إِلَيْهِ الشَّافِعِي, لَقِي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وسلم وهُوَ مترعرع وأسلم أَبوهُ السَّائِب يَوْم بدر, فَإِنَّهُ كَانَ صَاحب راية بني هَاشم فَأسر فِي جملَة من أسر وفدى نَفسه ثمَّ أسلم.
وعبد منَاف بن قصي بن كلاب بن مرّة بن كَعْب بن لؤَي بِالْهَمْز وتَركه ابْن غَالب بن فهر بن مَالك بن النَّضر بن كنَانَة بن خُزَيْمَة بن مدركة بن إلْيَاس بن مُضر بن نزار بن معد بن عدنان. والْإِجْمَاع مُنْعَقد على هَذَا النّسَب إِلَى عدنان ولَيْسَ فِيمَا بعده إِلَى آدم طَرِيق صَحِيح فِيمَا ينْقل, وَعَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وسلم كَانَ إِذا انْتهى فِي النّسَب إِلَى عدنان أمسك ثمَّ يَقُول: ((كذب النسابون)) أَي بعده.
ولد الشَّافِعِي رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ على الْأَصَح بغزة الَّتِي توفّي فِيهَا هَاشم جد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وسلم وقيل بعسقلان وقيل بمنى, سنة خمسين ومِائَة, ثمَّ حمل إِلَى مَكَّة. وهُوَ ابْن سنتَيْن ونَشَأ بهَا وحفظ الْقُرْآن وهُوَ ابْن سبع سِنِين والموطأ وهُوَ ابْن عشر وتفقه على مُسلم بن خَالِد مفتي مَكَّة الْمَعْرُوف بالزنجي لشدَّة شقرته من بَاب أَسمَاء الأضداد. وأذن لَهُ فِي الْإِفْتَاء وهُوَ ابْن خمس عشرَة سنة مَعَ أَنه نَشأ يَتِيما فِي حجر أمه فِي قلَّة من الْعَيْش وضيق حال, وكَانَ فِي صباه يُجَالس الْعلمَاء ويكْتب مَا يستفيده فِي الْعِظَام ونَحْوهَا حَتَّى مَلأ مِنْهَا خبايا, ثمَّ رَحل إِلَى مَالك بِالْمَدِينَةِ ولازمه مُدَّة, ثمَّ قدم بَغْدَاد سنة خمس وتِسْعين ومِائَة فَأَقَامَ بهَا سنتَيْن واجْتمعَ عَلَيْهِ علماؤها ورجع كثير مِنْهُم عَن مَذَاهِب, كَانُوا عَلَيْهَا إِلَى مذْهبه وصنف بهَا كِتَابه الْقَدِيم ثمَّ عَاد إِلَى مَكَّة, فَأَقَامَ بهَا مُدَّة, ثمَّ عَاد إِلَى بَغْدَاد سنة ثَمَان وتِسْعين ومِائَة, فَأَقَامَ بهَا شهرا, ثمَّ خرج إِلَى مصر ولم يزل بهَا ناشرا للْعلم, ملازما للاشتغال بجامعها الْعَتِيق إِلَى أَن أَصَابَته ضَرْبَة شَدِيدَة, فَمَرض بِسَبَبِهَا أَيَّامًا على مَا قيل, ثمَّ انْتقل إِلَى رَحْمَة الله تَعَالَى وهُوَ قطب الْوُجُود يَوْم الْجُمُعَة, سلخ رَجَب سنة أَربع ومِائَتَيْنِ. ودفن بالقرافة بعد الْعَصْر من يَوْمه وانتشر علمه فِي جَمِيع الْآفَاق وتقدم على الْأَئِمَّة فِي الْخلاف والوفاق وعَلِيهِ حمل الحَدِيث الْمَشْهُور ((عَالم قُرَيْش يمْلَأ طباق الأَرْض علما)).
ومن كَلَامه رَضِي الله عَنهُ.[الوافر]
أمت مطامعي فأرحت نَفسِي
فَإِن النَّفس مَا طمعت تهون
وأحييت القنوع وكَانَ مَيتا
فَفِي إحيائه عرضي مصون
إِذا طمع يحل بقلب عبد
علته مهانة وعلاه هون
وَله أَيْضا رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. [مجزوء الكامل]
مَا حك جِلْدك مثل ظفرك
فتول أَنْت جَمِيع أَمرك
وإِذا قصدت لحَاجَة
فاقصد لمعترف بقدرك
وَقد أفرد بعض أَصْحَابه فِي فَضله وكَرمه ونسبه وأشعاره, كتبا مَشْهُورَة وفِيمَا ذكرته تذكرة لأولى الْأَلْبَاب ولَوْلَا خوف الْملَل لشحنت كتابي هَذَا مِنْهَا بِأَبْوَاب وذكرت فِي شرح الْمِنْهَاج وغَيره, مَا فِيهِ الْكِفَايَة.
ويكون ذَلِك الْمُخْتَصر (فِي غَايَة الِاخْتِصَار) أَي بِالنِّسْبَةِ إِلَى أطول مِنْهُ وغَايَة الشَّيْء مَعْنَاهَا: ترَتّب الأثرعلى ذَلِك الشَّيء, كَمَا تَقول: غَايَة البيع الصَّحِيح حل الِانْتِفَاع بِالْمَبِيعِ وغَايَة الصَّلَاة الصَّحِيحَة إجزاؤها، (و)فِي (نِهَايَة الإيجاز) بمثناة تحتية بعد الْهمزَة أَي الْقصر وظَاهر كَلَامه تغاير لَفْظِي الِاخْتِصَار والإيجاز والغاية والنِّهَايَة وهُوَ كَذَلِك.
فالاختصار: حذف عرض الْكَلَام،
والإيجاز: حذف طوله. كَمَا قَالَه ابْن الملقن فِي إشاراته عَن بَعضهم وقد علم مِمَّا تقرر الْفرق بَين الْغَايَة والنِّهَايَة (يقرب), أَي يسهل لوضوح عِبَارَته (على المتعلم), أَي المبتديء فِي التَّعَلُّم شَيْئا, فَشَيْئًا, (درسه), أَي بِسَبَب اختصاره وعذوبة أَلْفَاظه، (ويسهل) أَي يَتَيَسَّر (على المبتديء), أَي فِي طلب الْفِقْه حفظه عَن ظهر قلب, لما مر عَن الْخَلِيل, أَن الْكَلَام يختصر ليحفظ.
[تَنْبِيه] حرف المضارعة فِي الْفِعْلَيْنِ مَفْتُوح،
(و) سألني أَيْضا بعض الأصدقاء (أَن أَكثر فِيهِ من التقسيمات) لما يحْتَاج إِلَى تقسيمه من الْأَحْكَام الْفِقْهِيَّة الْآتِيَة كَمَا فِي الْمِيَاه وغَيرهَا مِمَّا ستعرفه. (و) من (حصر) أَي ضبط الْخِصَال الْوَاجِبَة والمندوبة, (فأجبته) أَي السَّائِل (إِلَى ذَلِك) أَي إِلَى تصنيف مُخْتَصر بالكيفية الْمَطْلُوبَة.
وقَوله (طَالبا) حَال من ضمير الْفَاعِل أَي مرِيدا (للثَّواب) أَي الْجَزَاء من الله سُبْحَانَهُ وتَعَالَى على تصنيف هَذَا الْمُخْتَصر, لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وسلم ((إِذا مَاتَ ابْن آدم انْقَطع عمله إِلَّا من ثَلَاث صَدَقَة جَارِيَة أَو علم ينْتَفع بِهِ أَو ولد صَالح يَدْعُو لَهُ)).
وقَوله (رَاغِبًا) حَال أَيْضا مِمَّا ذكر, أَي ملتجئا (إِلَى الله) سُبْحَانَهُ و(تَعَالَى) فِي الْإِعَانَة من فَضله عَليّ بِحُصُول (التَّوْفِيق) الَّذِي هُوَ خلق قدرَة الطَّاعَة فِي العَبْد (للصَّوَاب) الَّذِي هُوَ ضد الْخَطَأ, بِأَن يقدرني الله على إِتْمَامه, كَمَا أقدرني على ابْتِدَائه. فَإِنَّهُ كريم, جواد, لَا يرد من سَأَلَهُ واعْتمد عَلَيْهِ (إِنَّه) سُبْحَانَهُ وتَعَالَى (على مَا يَشَاء) أَي يُريدهُ (قدير) أَي قَادر. والْقُدْرَة: صفة تُؤثر فِي الشَّيْء عِنْد تعلقهَا بِهِ وهِي إِحْدَى الصِّفَات الثَّمَانِية الْقَدِيمَة الثَّابِتَة عِنْد أهل السّنة الَّتِي هِيَ صِفَات الذَّات الْقَدِيم الْمُقَدّس وهُوَ سُبْحَانَهُ وتَعَالَى (بعباده) جمع عبد وهُوَـ كَمَا قَالَ فِي الْمُحكم ـ الْإِنْسَان حرا كَانَ أَو رَقِيقا, فقد دعِي صلى الله عَلَيْهِ وسلم بذلك فِي أشرف المواطن كـ {الْحَمد لله الَّذِي أنزل على عَبده الْكتاب} [الكهف: 1], {سُبْحَانَ الَّذِي أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا}[الإسراء: 1] وقَالَ أَبُو عَليّ الدقاق: لَيْسَ لِلْمُؤمنِ صفة أتم ولَا أشرف من الْعُبُودِيَّة.
كَمَا قَالَ الْقَائِل:
لَا تدعني إِلَّا بياعبدها ... فَإِنَّهُ أشرف أسمائي
وَقَوله (لطيف) من أَسْمَائِهِ تَعَالَى بِالْإِجْمَاع واللطف: الرأفة والرفق وهُوَ من الله تَعَالَى التَّوْفِيق والعصمة بِأَن يخلق قدره الطَّاعَة فِي العَبْد.
[فَائِدَة] قَالَ السُّهيْلي: لما جَاءَ البشير إِلَى يَعْقُوب عَلَيْهِ الصَّلَاة والسَّلَام أعطَاهُ فِي الْبشَارَة كَلِمَات كَانَ يَرْوِيهَا عَن أَبِيه عَن جده عَلَيْهِم الصَّلَاة والسَّلَام وهِي: يَا لطيفا فَوق كل لطيف, ألطف بِي فِي أموري كلهَا كَمَا أحب ورضني فِي دنياي وآخرتي.
وقَوله (خَبِير) من أَسْمَائِهِ تَعَالَى أَيْضا بِالْإِجْمَاع, أَي هُوَ عَالم بعباده وبأفعالهم وأقوالهم وبمواضع حوائجهم ومَا تخفيه صُدُورهمْ.
وَإِذ أنهينا الْكَلَام بِحَمْد الله تَعَالَى على مَا قصدناه من أَلْفَاظ الْخطْبَة لنَذْكُر طرفا من محَاسِن هَذَا الْكتاب قبل الشُّرُوع فِي الْمَقْصُود فَنَقُول:
إِن الله تَعَالَى قد علم من مُؤَلفه خلوصفي تصنيفه فَعم النَّفْع بِهِ: فَقل من متعلم إِلَّا ويقرؤه أَولا: إِمَّا بِحِفْظ وإِمَّا بمطالعة وقد اعتنى بشرحه كثير من الْعلمَاء, فَفِي ذَلِك دلَالَة على أَنه كَانَ من الْعلمَاء العاملين القاصدين بعلمهم وجه الله تَعَالَى.
جعل الله تَعَالَى قراه الْجنَّة وجعله فِي أَعلَى عليين مَعَ الَّذين أنعم عَلَيْهِم من النَّبِيين والصديقين والشُّهَدَاء والصَّالِحِينَ وفعل ذَلِك بِنَا وبوالدينا ومشايخنا ومحبينا ولَا حول ولَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم.
وَلما كَانَت الصَّلَاة أفضل الْعِبَادَات ـ بعد الْإِيمَان ومن أعظم شُرُوطهَا الطَّهَارَة, لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وسلم: ((مِفْتَاح الصَّلَاة الطّهُور)) والشّرط مقدم طبعا فَقدم وضعا, بَدَأَ المُصَنّف بهَا فَقَالَ: